الرئيسية / إقتصاد / 1584 مليارا في مهب الريح .. الدولة أكبر مبذّر للطاقة

1584 مليارا في مهب الريح .. الدولة أكبر مبذّر للطاقة

في وقت تدعو فيه الدولة المواطنين الى ضرورة التحكم في الطاقة، بلغ حجم التبذير في المنشآت والمؤسسات العمومية مستوى قياسيا حسب تقرير الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة ودائرة المحاسبات…

تعتمد الشركة التونسية للكهرباء والغاز على مراكز إنتاج متنوعة ومختلفة، تتكون من 25 محطة إنتاج، من بينها محطات بخارية ودورات مزدوجة ووحدات غازية وأخرى مائية وهوائية ويبلغ إجمالي القدرة المركزة، إلى حدود سنة 2015، حوالي 5224 ميغاوات ما يمثل تطورا بنسبة 9 بالمائة مقارنة بسنة 2014، ويعود هذا التطور أساسا إلى التشغيل الشبه صناعي للدورة المزدوجة بمحطّة سوسة التي تولد 425 ميغاواط. وفي 2017، بلغ إنتاج الشركة التونسية للكهرباء 15665 جيغاوات ساعة (مقابل 15255 في 2016) في حين الإنتاج الوطني للكهرباء 19133 جيغاوات ساعة مقابل 18246 في 2016. الى ذلك يبلغ استهلاك تونس من الكهرباء ما يعادل 15651 جيغاوات ساعة. منها 8744 جيغاوات للصناعة و1323 جيغاوات للفلاحة والخدمات.

اما بالنسبة الى الغاز المسيل فقد بلغ انتاج المحلي سنة 2013 حوالي 181 ألف طن لغاز البترول المسيّل أي ما يمثل 35 بالمائة من حجم الاستهلاك الوطني تؤمنه كل من وحدة معالجة المكثفات بقابس التابعة للشركة التونسية للكهرباء والغاز (81 ألف طن) وشركة بريتش غاز (60 ألف طن) ومصفاة التكرير ببنزرت التابعة للشركة التونسية لصناعات التكرير (30 ألف طن) ومجمع المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية وشركة إيني بالمعمورة (10 ألاف طن). ولتغطية باقي الحاجيات الوطنية، تتولى الشركة التونسية لصناعات التكرير حصريا عمليات التوريد التي بلغت كمّياتها 331 ألف طن في سنة 2013. كما تتولى هذه الشركة أيضا بيع كلّ الكميات المنتجة محليّا والموردة إلى شركات التوزيع. وبالنسبة للمحروقات، فتستهلك تونس، 559.8 الف طن من النفط السائل و627 الف طن من البنزين الرفيع و49 الف طن من نفط الانارة و254 الف طن من بنزين الطائرات و284 الف طن من زيت الفيول الثقيل و2.111 مليون طن من الغازوال.

وللدولة نصيب…

تتسبب الدولة تباعا في عديد المشاكل المتعلقة في التحكم في الطاقة في تونس فاضافة الى الفوضى في تسيير المؤسسات الحكومية المختلفة ونزيف اسطول السيارات الإدارية، تستفيد أسلاك عدة من امتيازات تكلف الخزينة المليارات سنوبا. فقد بلغت كلفة استهلاك الطاقة مجانا من قبل أعوان الشركة التونسية للكهرباء والغاز 330,11 مليون دينار، في يبلغ حجم الدعم المتعلق به حوالي 950,3 مليون دينار، وذلك سنة 2014، بحسب التقرير الصادر عن دائرة المحاسبات. ولاحظت دائرة المحاسبات بأن هناك إفراطا في الاستهلاك الناتج عن هذا الامتياز الممنوح لأعوان”الستاغ”، في وقت تشهد فيه البلاد عجزا طاقيا مهيكلا يتسبب سنويا في تزايد عجز الميزان التجاري جراء ارتفاع قيمة واردات المحروقات. وفي مستوى المحروقات، كشفت دراسة أعدتها الجمعية التونسية لمقاومة الفساد ان النفقات التقديرية الدنيا السنوية للسيارات الإدارية تقدر بـ 760 مليارا.

واعتبر رئيس الجمعية التونسية لمقاومة الفساد، ابراهيم الميساوي، إن عدد السيارات الإدارية يعتبر مرتفعا وغير مبرر مقارنة بعدد الموظفين الذي يبلغ 700 ألف موظف، خاصة إذا ما اعتبرنا اننا نعيش في فترة ركود اقتصادي وارتفاع الديون خارجية نتيجة الاعتماد على الاقتراض وعجز الميزان التجاري. يذكر ان عدد السيارات الإدارية ارتفع حسب الدراسة من سنة 2012 إلى سنة 2015 بحوالي 11 ألف سيارة ليصل عدد السيارات الإدارية في تونس إلى 84 ألف سيارة إدارية.

والنتيجة يبلغ معدل استهلاك السيارات من الوقود سنويا 540 مليارا سنويا اي ان 64 بالمائة من نسبة المحروقات المخصصة من الدولة تذهب إلى السيارات الإدارية. من جهتها، أثارت دائرة المحاسبات (جهاز رقابي عمومي)، في تقريرها الواحد والثلاثين، وفي الباب المتعلق بالتحكم في الطاقة، مسألة إهدار الطاقة في ما يخص السيارات الإدارية في تونس. وأفاد التقرير، المنشور يوم 22 ديسمبر 2018، أنّ تأخر تطبيق مقترح تقدمت به الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، في أواخر 2011، حول تشخيص محركات السيارات الإدارية، إلى سنة 2017، لم يسمح بترشيد استهلاك الطاقة. وكشف التقرير بأن عمليّة نموذجية تعلقت بمتابعة 5 سيارات إدارية، عبر استغلال منظومة متابعة السيارات عن بعد، أظهرت إفراطا في استهلاك الوقود بنسبة تصل إلى 25 بالمائة.

فوضى…

لست مجبرا للاستناد على خبراء او دراسات لتقف عند حجم الفوضى التي تعيشها مؤسسات الدولة في مستوى التسيير والتنظيم. وعلى سبيل المثال، بلغ حجم التبذير في مستوى الإنارة العمومية ما يقارب المائتي مليون دينار جراء سوء التصرف في شبكة التنوير العمومي اذ غالبا ما تشتغل الشبكة في وضح النهار على مرآى ومسمع من الشركات والأجهزة الحكومية المعنية. وبطرح السؤال على مسؤول بوزارة التجهيز افانا هذا الأخير ان عديد الأطراف تتدخل في تسيير الشبكة كالبلديات والشركة التونسية للكهرباء والغاز وهي التي تتحمل في جزء كبير مسؤولية سوء التصرف في شبكة التنوير العمومي.

ومن الغرائب التي لا ينكن ات تعثر لها على اثر الا في تونس، تعمد مئات الموظفين الإبقاء على المكيفات تشتغل ليلا في مكاتبهم لإبقائها باردة حتى مزاولة العمل من الغد. اما عن الانارة في المؤسسات الحكومية فحدث ولا حرج. وحسب الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، لا تطبق جل المؤسسات الحكومية أي سياسة للتحكم في الطاقة او الاعتماد على تجهيزات كهربائية تساعد على الاقتصاد في الطاقة.

إدانة دائرة المحاسبات …

رغم ادانة دائرة المحاسبات للدولة التونسية في تقاريرها المختلفة الا ان الحكومات المتعاقبة على السلطة لم تولي هذه التقارير الأهمية اللازمة رغم النزيف المالي الذي تتكبده خزينة الدولة سنويا جراء هذه الفوضى. وخلصت الدائرة المذكورة الى جملة من الملاحظات منها غياب استراتيجية لمنظومة التحكم في الطاقة وبعدم التوفق في وضع توجهات وإجراءات قانونية تحقق النجاعة الطاقية مما تسبب في استهلاك إضافي سنوي قدر ب1.516 مليون طن من النفط أي ما يعادل 1192 مليون دينارو 325 مليون دينار من الدعم الذي كان من الممكن تفاديه. وتجاوزت نسبة الفاقد التجاري على مستوى توزيع الكهرباء 1191 مليون دينار. كما أدى غياب استراتيجية وطنية للتحكم في الطاقة وعدم استكمال الاطار القانوني والترتيبي المتعلق بصندوق الانتقال الطاقي الى حرمان المجموعة الوطنية خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2014-2016 من تحقيق اقتصاد ناهزت قيمته 1584 مليون دينار.

وفي ردها على هذا الاستنزاف المهول للموارد الطاقية، دعت رئاسة الحكومة الهياكل والمؤسسات والمنشئات العمومية، في منشور صادر لها في افريل الماضي في الصحافة الوطنية، ” إلى ترشيد استهلاك الطاقة من أجل المساهمة في المجهود الوطني في هذا المجال في ظل ارتفاع أسعار المحروقات في السوق العالمية بعد ان بلغ سعر برميل نفط خام ال 70 دولار أمريكي. وحث المنشور على تفعيل دور المسؤول المكلف بالطاقة في الهياكل والمؤسسات والمنشات العمومية المطالب أساسا بمراقبة استهلاك الطاقة في مجال التدفئة والتكييف والتنوير ومتابعة فواتير الاستهلاك والحث على ترشيد استعمال الطاقة إلى جانب متابعة وتعهد المعدات المقتصدة للطاقة” .

واكد المنشور الحكومي على دور الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة من خلال “إمكانية أن تتولى تنظيم ملتقيات دورية لفائدة المسؤولين عن الطاقة بالهياكل العمومية وتامين الإحاطة بهم وتنمية قدرات الأعوان المعنيين.” كما دعت الحكومة إلى أنه “يتوجب ترشيد استهلاك المحروقات المخصصة لمختلف وسائل النقل الإدارية واعتماد التكنولوجيات الحديثة للتواصل الى جانب تجهيز الورشات داخل المؤسسات والمنشآت، التي يتوفر لديها أسطول كبير من السيارات الإدارية، لإجراء الكشف الطاقي للمحركات بالإضافة إلى إرساء نظم مراقبة داخلية للأسطول بهدف تشخيص وتفادي أسباب الاستهلاك المشط في الإبان”.

وفي علاقة بالمنشئات العمومية، شدد المنشور على “عدم اللجوء إلى التنوير الكهربائي خلال حصص العمل كلما سمحت الإنارة الطبيعية بالاستغناء عن ذلك والحرص على إطفاء الأنوار الكهربائية مباشرة بعد نهاية العمل.”كما أوصى ذات المنشور ” بضرورة التعهد بصيانة التجهيزات المعتمدة في انظمة التدفئة والتكييف قبل موعد انطلاق تشغيلها بصفة دورية واستعمال الطاقة المتجددة كلما امكن ذلك مع الحرص على استعمال الوسائل المقتصدة للطاقة واعتماد النجاعة الطاقية كمؤشر لتحديد الشراءات واحترام درجات الحرارة المرجعية (20 درجة للتدفئة و26 درجة للتكييف)”. .

لطفي البريكي الخبير الدولي في الطاقة : الحلّ في الطاقات المتجددة…

في دراسة له، يعرف الخبير الدولي في الطاقة لطفي البريكي، الطاقة المتجددة على انها الطاقة المستمدة من الموارد المجددة طبيعيا أو الغير قابلة للاستنفاذ عمليا، مثل الحرارة (الطاقة الحرارية الأرضية، والطاقة الشمسية)، والمياه المتحركة (طاقة مائية، ومدية، وموجية)، وطاقة الرياح والطاقة العضوية (الناتجة عن الغاز العضوي). ولا تنشأ عن الطّاقة المتجددة عادةً مخلّفات كثنائي أكسيد الكربون أو غازات ضارة أو تعمل على زيادة الاحتباس الحراري. وتمثل الطاقة المتجددة بالبلاد التونسية نسبة 3% من مجمل الطاقة المنتجة حسب احصائيات سنة 2016 وتطمح إلى رفعها لنسبة 30% بحلول سنة 2030. وكانت الطاقة موضوع لقمّتين عالميتين (ريو دي جانيرو + جوهانسبرغ) بسبب الاحتباس الحراري والتلوّث البيئي وقد أكدّ جميع الرؤساء المجتمعون على أهمية اللجوء التقنيات النظيفة مثل وسائل الطاقات البديلة.

واليوم تنظر الكثير من الدول إلى “الوقود الاحفوري” بصورة عدائية وتشجْع على الطاقات البديلة إذ أن المحطات التقليدية لانتاج الكهرباء أصبحت غير مجدية تماما بل هي ملوٌثة بطريقة رهيبة للبيئة. ان ثورة الطاقة القادمة سوف تكون أكثر أهمية لأن الطاقة تمثل أهم صناعة في العالم (2 تريليون دولار سنويا). وتونس لديها مخزون طاقي كبير إذ أن كلم² واحد قادر على إنتاج 2،2 تيراواط ساعة سنويا أي ما يعادل 1400000 برميل نفط. كما أشير إلى ان إستغلال حرارة الأشعة الشمسية الساقطة على مساحة قدرها حوالي 7000 كيلو متر مربع من المناطق الصحراوية يكفي لتوليد الطاقة الكهربائية لدول شمال أفريقيا والشرق الأوسط وتصدير الفائض من الطاقة الكهربائية الى الدول الاوربية.

مؤكدا ان له مشروعا قادر على حل مشاكل تونس الطاقية وهي شبكة ماكرو تتكون من 193 ألف شبكة ميكرو والتي تتكون هي من 7800 شبكة فوق الميكرو. وهذه الشبكة هي عبارة عن إنتاج ونقل وإستغلال وتوزيع المياه الصحية الساخنة والمياه الساخنة والحرارة الصناعية أي البخار. وبدون إنجاز هذه الشبكات فإن القطاع الصناعي والخدماتي سوف يبقى محروما من مزايا الطاقات المتجددة الذكية التي بإمكانها جعله منافسا وطنيا ودوليا.

المصدر : الشروق